في عالم العملات الرقمية، حيث المنافسة شرسة والابتكار لا يتوقف، يبدو أن شبكة إيثيريوم تمر بمرحلة تحوّل هادئة ولكنها واعدة. فبعد سنوات من المعاناة بسبب رسوم المعاملات المرتفعة أو ما يُعرف بـ"gas fees"، تشهد الشبكة اليوم أدنى مستوى لهذه الرسوم منذ عام 2020، ما يطرح تساؤلات جدية: هل هذا نتيجة لتحسينات حقيقية في البنية التحتية؟ أم أن المستخدمين بدأوا في التخلي عن الشبكة لصالح منافسين أكثر مرونة؟
هل دخلت إيثيريوم عصر الانفراج؟ رسوم المعاملات الأدنى منذ 2020 تفتح باب التساؤلات
لطالما كانت رسوم المعاملات على إيثيريوم عائقاً أمام المستخدمين، خصوصاً خلال فترات ازدحام الشبكة. فالرسوم تُحتسب وفقاً لحجم الطلب، ومع كل موجة صعود للأسواق، كانت الأسعار تقفز إلى مستويات غير منطقية. في يونيو 2020، مثلاً، تجاوزت الرسوم 700 Gwei، ما يعني أن تنفيذ عملية بسيطة يمكن أن يكلف بضعة دولارات، وهو مبلغ غير منطقي للمستخدم العادي أو المحافظ الصغيرة.
هذه الأزمة تسببت في موجات استياء دفعت الكثير من المستخدمين للبحث عن بدائل. ومع ذلك، فإن الأسعار اليوم تدور حول 1 Gwei أو أقل، ما يعني أن الشبكة أصبحت أخيرًا أكثر قدرة على استيعاب الطلب بتكاليف أقل.
إصلاحات متتالية وتحسينات فنية
التحول لم يأتِ من فراغ. فمنذ عام 2021، بدأت مؤسسة إيثيريوم بتنفيذ سلسلة من التحديثات الفنية، كان أبرزها تفعيل المقترح EIP-1559 الذي أعاد هيكلة آلية احتساب الرسوم، وأدى إلى حرق ما يقارب 2.5 مليون ETH حتى الآن.
ثم جاءت خطوة "The Merge" في 2022 التي مثّلت تحوّلاً جذرياً في البنية، من إثبات العمل (PoW) إلى إثبات الحصة (PoS)، ما ساهم في تقليل الضغط على الشبكة وزيادة قابليتها للتوسع.
واليوم، تترقب الشبكة التحديث المنتظر "Pectra"، الذي سيحمل في طيّاته المزيد من التحسينات، لا سيما في ما يتعلق بالكفاءة وتقليل الرسوم.
Layers 2: الأبطال الصامتون خلف الكواليس
لكن الفضل في انخفاض الرسوم لا يعود فقط للتحديثات على الشبكة الرئيسية. فصعود حلول "الطبقة الثانية" مثل Optimism وArbitrum وzkSync لعب دوراً حيوياً في تخفيف العبء عن الشبكة الرئيسية. هذه البروتوكولات تُعالج المعاملات بشكل منفصل ثم تسجّلها على إيثيريوم، مما يخفّف الازدحام ويُخفض التكاليف، مع الحفاظ على الأمان.
وفقًا لبيانات DeFiLlama، تجاوزت القيمة المقفلة (TVL) على Arbitrum حاجز 2.4 مليار دولار، ما يدل على ثقة المستخدمين المتزايدة في هذه الحلول.
ويبدو أن مؤسسة إيثيريوم تنظر إلى هذه الحلول كجزء لا يتجزأ من استراتيجيتها المستقبلية، إذ أكد المؤسس فيتاليك بوتيرين مرارًا أن الـL2s هي ركيزة أساسية في خارطة طريق إيثيريوم.
المنافسة شرسة، لكن إيثيريوم ما زالت في الصدارة
رغم كل هذا، لا يمكن إنكار أن إيثيريوم تواجه ضغوطًا من منافسين مثل سولانا وBinance Smart Chain. فهذه الشبكات تقدم حلولًا أرخص وأسرع وأكثر سهولة في الاستخدام. سولانا، على سبيل المثال، تفتخر بقدرتها على معالجة 65,000 معاملة في الثانية، مقارنة بـ 15 فقط لإيثيريوم في وضعها الحالي.
ورغم هذه المقارنات، تبقى إيثيريوم قوية من حيث الاستخدام الفعلي، إذ تسجل حوالي 400,000 عنوان نشط يوميًا منذ 2022، ما يثبت أن الشبكة ما زالت تحتفظ بجاذبيتها.
المفارقة أن انخفاض رسوم الغاز لا يُعزى إلى انخفاض الاستخدام، بل إلى تحسّن الشبكة فعلياً، وهو ما يعطي دفعة قوية لمستقبلها.
رغم عدم تحقيقها لأرقام قياسية في السعر منذ ثلاث سنوات، يبدو أن إيثيريوم تخطو بثبات نحو هدفها: أن تصبح شبكة ذكية وسلسة وقليلة التكاليف. الرسوم المنخفضة ليست علامة على الهروب من الشبكة، بل على نضجها وتطورها. وفي ظل ازدياد ثقة المستخدمين واعتمادهم على حلول الطبقة الثانية، قد تكون هذه بداية عهد جديد لإيثيريوم، أكثر استقرارًا وشمولًا.